ابن الجوزي

119

صفة الصفوة

قال : يقول لي صاحبي : واللّه ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إياي ، ما لي ولبهيم ؟ إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلام بن الأحوص ، حتى يبكي بعضهم إلى بعض حتى يشتفوا أو يموتوا جميعا . قال : فلم أزل أرفق به وأقول ؟ ويحك لعلّها خير سفرة سافرتها . قال : وكان طويل الحج رجلا صالحا إلا أنه كان رجلا تاجرا موسرا مقبلا على شأنه ، لم يكن صاحب حزن ولا بكاء ، قال : فقال لي : قد وقعت مرّتي هذه ولعلها أن تكون خيرة . قال : وكل هذا الكلام لا يعلم به بهيم ولو علم بشيء منه ما صاحبه . قال : فخرجا جميعا حتى حجّا ورجعا . ما يرى كل واحد منهما أن له أخا غير صاحبه . فلما جئت أسلّم على جاري قال لي : جزاك اللّه يا أخي عنّي خيرا ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بكر ، كان واللّه يتفضل عليّ في النفقة وهو معدم وأنا موسر ، ويتفضل عليّ في الخدمة وأنا شابّ قوي وهو شيخ ضعيف ، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم . قال : فقلت : فكيف كان أمرك معه في الذي كنت تكرهه من طويل بكائه ؟ قال ألفت : واللّه ذاك البكاء وسرّ قلبي حتى كنت أساعده عليه ، حتى تأذى بنا أهل الرّفقة . قال : ثم واللّه ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا وجعل بعضهم يقول لبعض : ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد ؟ قال : فجعلوا واللّه يبكون ونبكي . قال : ثم خرجت من عنده فأتيت بهيما فسلمت عليه وقلت : كيف رأيت صاحبك ؟ قال : كخير صاحب ، كثير الذكر للّه عزّ وجل طويل التلاوة للقرآن ، سريع الدمعة محتمل الهفوات للرفيق ، جزاك اللّه عني خيرا . 458 - عرفجة عن خلف بن تميم قال : كان فتى من أهل الكوفة متعبّد يقال له عرفجة ، وكان يحيي الليل صلاة . فاستزاره بعض إخوانه ليلة فاستأذن أمه في زيارته فأذنت له .